ابن قيم الجوزية

515

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

فآثره ، وأيهما شر فابعد عنه . فهذا برهان قطعي ضروري في إيثار رضى اللّه على رضى الخلق . هذا مع أنه إذا آثر رضى اللّه كفاه اللّه مؤنة غضب الخلق . وإذا آثر رضاهم لم يكفوه مؤنة غضب اللّه عليه . قال بعض السلف : لمصانعة وجه واحد أيسر عليك من مصانعة وجوه كثيرة . إنك إذا صانعت ذلك الوجه الواحد كفاك الوجوه كلها . وقال الشافعي رضي اللّه عنه : رضى الناس غاية لا تدرك . فعليك بما فيه صلاح نفسك فالزمه . ومعلوم : أنه لا صلاح للنفس إلا بإيثار رضى ربها ومولاها على غيره . ولقد أحسن أبو فراس في هذا المعنى - إلا أنه أساء كل الإساءة في قوله - إذ يقوله لمخلوق لا يملك له ولا لنفسه نفعا ولا ضرا : فليتك تحلو والحياة مريرة * وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر * وبيني وبين العالمين خراب إذا صح منك الودّ فالكل هيّن * وكل الذي فوق التراب تراب ثم ذكر الشيخ - رحمه اللّه - ما يستطاع به هذا الإيثار العظيم الشأن . فقال : « ويستطاع هذا بثلاثة أشياء : بطيب العود ، وحسن الإسلام ، وقوة الصبر » . من المعلوم : أن المؤثر لرضى اللّه متصدّ لمعاداة الخلق وأذاهم ، وسعيهم في إتلافه ولا بد . هذه سنة اللّه في خلقه . وإلا فما ذنب الأنبياء والرسل ، والذين يأمرون بالقسط من الناس ، والقائمين بدين اللّه ، الذابّين عن كتابه وسنة رسوله عندهم ؟ فمن آثر رضى اللّه فلا بد أن يعاديه رذالة العالم وسقطهم ، وغرثاهم « 1 » وجهالهم ، وأهل البدع والفجور منهم ، وأهل الرياسات الباطلة ، وكل من يخالف هديه هديه . فما يقدم على معاداة هؤلاء إلا طالب الرجوع إلى اللّه ، عامل على سماع خطاب : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) [ الفجر : الآيات 27 ، 28 ] ومن إسلامه صلب كامل لا تزعزعه الرجال ، ولا تقلقله الجبال ، ومن عقد عزيمة صبره محكم لا تحلّه المحن والشدائد والمخاوف . قلت : وملاك ذلك أمران : الزهد في الحياة والثناء . فما ضعف من ضعف ، وتأخر من تأخر إلا بحبه للحياة والبقاء ، وثناء الناس عليه ، ونفرته من ذمهم له . فإذا زهد في هذين الشيئين ، تأخرت عنه العوارض كلها . وانغمس حينئذ في العساكر . وملاك هذين الشيئين بشيئين : صحة اليقين . وقوة المحبة . وملاك هذين بشيئين أيضا : بصدق اللجأ والطلب ، والتصدي للأسباب الموصلة إليهما . فإلى ههنا تنتهي معرفة الخلق وقدرتهم . والتوفيق بعد بيد من أزمة الأمور كلها بيده : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ( 30 ) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 31 ) [ الإنسان : 30 ، 31 ] .

--> ( 1 ) هم الجائعون .